أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
279
العقد الفريد
ألا وإنّ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان كبّ « 1 » كنانته فعجم عيدانها ، فوجدني أصلبها عودا ، فوجّعني إليكم ؛ فإنكم طالما سعيتم في الضلالة ، وسننتم سنن البغي ؛ أما واللّه لألحونّكم « 2 » لحو العصا ، ولأعصبنكم عصب السّلمة « 3 » ، ولأقرعنّكم قرع المروة « 4 » ، ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل ؛ واللّه ما أخلق إلا فريت « 5 » ، ولا أعد إلا وفيت ، ولا أغمز تغماز التين ، ولا يقعقع لي بالشّنان « 6 » . إياي وهذه الزرافات والجماعات ، وقيل وقال وما تقول ، وفيم أنتم ونحو هذا ؛ ومن وجدته بعد ثالثة من بعث المهلب ضربت عنقه . ثم قال : يا غلام ، اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين . فقرأ عليهم : بسم اللّه الرحمن الرحيم . من عبد الملك بن مروان إلى من بالكوفة من المسلمين ، سلام عليكم . فلم يقل أحد شيئا ، فقال الحجاج : اسكت يا غلام ، هذا أدب ابن نهية ؛ واللّه لأؤدّبنهم غير هذا الأدب أو ليستقيمنّ ؛ اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين . فلما بلغ إلى قوله : سلام عليكم ، لم يبق أحد في المسجد إلا قال : وعلى أمير المؤمنين السلام . ثم نزل فأتاه عمير بن ضابئ فقال : أيها الأمير ، إني شيخ كبير عليل ، وهذا ابني أقوى على الغزو مني . قال : أجيزوا ابنه عنه ؛ فإنّ الحدث « 7 » أحبّ إلينا من الشيخ . فلما ولي الرجل قال له عنبسة بن سعيد : أيها الأمير ، هذا الذي ركض « 8 » عثمان برجله وهو مقتول . فقال : ردّوا الشيخ . فردّوه ، فقال : اضربوا عنقه ! فقال فيه الشاعر :
--> ( 1 ) كبّ : طرح . ( 2 ) لألحونكم : لأقشرنكم . ( 3 ) السلمة : شجر لا شوك فيه . ( 4 ) المروة : جمع مرو : وهو نبات عطر طبي . ( 5 ) فريت : قطعت . ( 6 ) القعقعة : التحريك ، والشنان : القرب البالية . ( 7 ) الحدث : الشاب . ( 8 ) ركض برجله : ضرب بها .